فصل: الجزء الأول

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة **


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعتين‏:‏ الثالثة والرابعة

الحمد لله لا نحصي ثناء عليه كما أثنى على نفسه‏.‏ فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول وله الحمد أن هدانا لحمده، وعرفنا به، ونسأله تعالى أن يرزقنا الإيمان به، والثبات على الإيمان حتى نلقاه‏.‏

والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، الذي بلّغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة كاملة، وكان العبد الكامل لسيده ومولاه، والرسول الكامل، والنبي المبجل والمكرم والإمام فصلوات الله عليه وسلامه‏.‏ وبعد‏.‏

أخي القارئ هذه هي الطبعة الثالثة من ‏(‏الفكر الصوفي‏)‏ تمتاز عن سابقتيها بتدارك الأخطاء المطبعية واللغوية، وزيادة الفصل الخاص بالطريقة الرفاعية من صفحة 562 إلى صفحة 596‏.‏ وقد نبهنا إلى منهجنا في هذا الكتاب في مقدمة الطبعة الثانية‏.‏

وقد أصبح هذا الكتاب بحمد الله موسوعة ومرجعًا لكل من أراد التعرف على هذا الفكر، والإحاطة بمباحثه المتفرقة، وتصور عقائده وشرائعه، وطرائق أهله في الفكر‏.‏ وكذلك الرد على معظم ما انتحلوه من عقيدة وشريعة‏.‏ وبهذا تيسير ـ بحمد الله ـ على طلاب العلم معرفة الفكر الصوفي في يسر وسهولة، وتعلم طريقة الرد على زندقتهم وخرافاتهم ودجلهم، ومعرفة أمهات الكتب عندهم، وأساطين فكرهم، وكيف تطورت العقيدة والشريعة الصوفية‏.‏ ونرجو بهذا أن نكون قد مهدنا الطريق إلى القضاء على هذا الفكر المنحرف، وفتحنا الطريق أمام ناشئة المسلمين إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، وإزالة عقبة كأداء كانت تحول بينهم وبين ذلك‏.‏ والله سبحانه هو المسئول أن يجعل هذا خالصًا لوجهه، وأن يكتب له القبول في الأرض، والرفعة مع الأعمال الصالحة إلى السماء إنه هو السميع العليم‏.‏

وكتبه عبدالرحمن عبدالخالق، في الكويت، في رجب الحرام سنة 1406هـ أبريـــل سنة 1986م‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الثانية

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، سبحانه وأشهد أنه لا ند له ولا شريك وأنه بذاته فوق عرشه عال على جميع مخلوقاته ومخترعاته ومصنوعاته وأنه هو الذي خلق الخلق وأوجد هذا العالم من العدم وأنه ما خلق الملائكة والجن والإنس إلا ليعبدوه ويوحدوه ويمجدوه وأن السموات والأرض وما فيهما جميعًا كل له خاضع وأن الجميع وفق أمره، ورهن مشيئته، فما شاء كان وما لم يشأه لم يكن، وأثني عليه سبحانه وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد الذي بعثه الله إمامًا للناس وهاديًا ومرشدًا ومفرقًا بين الضلالة والهدى، والكفر والإيمان، والشرك والتوحيد ‏{‏فَمَن يَكْفُرْ بِالْطَّاغوت ويؤْمِن بِاللهِ فقَدِ اسْتمسَك بالعُروَة الوُثقى لا انفصام لها والله سميع عليم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 256‏]‏‏.‏

وبعد‏:‏

فإن أعظم فتنة ابتلي بها المسلمون قديمًا وحديثًا هي فتنة التصوف‏.‏ هذه الفتنة التي تلبست للمسلمين برداء الطهر والعفة والزهد والإخلاص، وأبطنت كل أنواع الكفر والمروق والزندقة، وحملت كل الفلسفات الباطلة ومبادئ الإلحاد والزندقة‏.‏ فأدخلتها إلى عقائد الإسلام وتراث المسلمين على حين غفلة منهم، فأفسدوا العقول والعقائد‏.‏ ونشروا الخرافات والدجل والشعوذة، ودمروا الأخلاق، وأتوا على بنيان دولة الإسلام من القواعد إذ حارب المتصوفة العلم والجهاد والبصيرة في الدين، بل والزواج والعمل والكسب، فنصبوا للقرآن والسنة حربًا لا هوادة فيها، وحرفوا الناس عن تعليمها بكل سبيل زاعمين تارة أن القرآن والسنة علم أوراق وظواهر وأن علمهم الباطني علم أرواح وحقائق واطلاع على الغيب ومشاهدة وتارة أخرى زاعمين أن أورادهم وأذكارهم تفضل ما في القرآن والسنة آلاف بل عشرات الآلاف من المرات وتارة ثالثة واصفين كل علماء الشريعة بأنهم محجوبون مرتزقة ظاهريون جامدون، لم يتذوقوا الحقائق ولم يشاهدوا الغيب، واختص المتصوفة أنفسهم وهم بوجه عام من الزنادقة المبتدعين والكفار المستترين بأنهم أهل العلم اللدني، والحقيقة‏.‏‏.‏

واستطاعوا بذلك أن يدخلوا كل ما سطره الكفار والزنادقة إلى عقائد المسلمين وأول ذلك ما يسمى بعقيدة وحدة الوجود التي تنادي بأن الوجود كله وحدة واحدة فلا خالق ولا مخلوق، الكل عين واحدة، وحقيقة واحدة في زعمهم تعددت وجوداتها، وتغيرت صفاتها ولكنها شيء واحد فالجنة والنار، والرسل والشياطين، والمؤمنون والكفار، والطهارة والنجاسة، والشرك والتوحيد شيء واحد وذات واحدة، ولا فرق ـ بتاتًا ـ عندهم بين موسى وفرعون، وإبليس أفضل من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفضَّل شيخهم الأكبر كما يدعون فِرعون على موسى لأن فرعون علم الحقيقة التي يدعيها الصوفية ـ حيث قال ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ ‏!‏‏!‏ وهكذا خرج المتصوفة على المسلمين بدين، هذه مبادئه دين يرى في إبليس مثالًا للفتوة والتوحيد‏.‏ لأنه لم يرض أن يسجد إلا لله بزعمهم، وبفرعون إمامًا لأهل الإيمان الصوفي‏.‏‏.‏ لأنه عرف الحقيقة وأنه هو الله، والحال عندهم أنه ليس في الكون إلا الله‏.‏‏.‏ دين لا يفرق بين خالق ومخلوق وشرك وتوحيد، وكفر وإيمان، وطهر وفجور‏.‏‏.‏ وجنة ونار‏.‏

أقول لقد استطاع المتصوفة إفساد عقائد المسلمين في قرون متطاولة، واستطاعوا كذلك إفساد أعمالهم وشرائعهم وكانت لهم اليد الطولى في هزيمة العالم الإسلامي وسقوطه تحت نير الاستعباد والذل والتبعية لدول الكفر، كان التصوف هو المعبرة التي عبر عليها الملحدون والزنادقة والمفسدون في الأرض والعباءة التي تستر بها كل من يريد التخريب والتدمير لأمة الإسلام ورسالة القرآن ثم بعد ذلك كان التصوف هو الجسر الذي ركبه وعبره كل من يريد الوصول إلى تعظيم الناس له، واستعباد الآخرين، وأكل أموالهم بالباطل فقد تحول الزنادقة ومن لا أصول لهم معروفة من الأعاجم والملاحدة فدخلوا في التصوف، وانتسبوا زورًا إلى أهل بيت النبوة وادعوا الكرامات والكشوف والعلوم الإلهية اللدنية التي تنزل عليهم، ومن ثم سخروا الناس لخدمتهم بل وعبادتهم من دون الله أحياءً وأمواتًا، فحملت لهم الهبات والهدايا‏.‏ وانهالت من كل حدب وصوب، وقدسهم الناس وعظموهم تعظيمًا لم تعرفه الملوك ولا أبناء الملوك من الجبابرة المفسدين واستطاع هؤلاء الزنادقة المتسترون أن يقيموا إقطاعات دينية، وممالك طائفية تربعوا على عروشها، وجعلوها وراثة في أولادهم من بعدهم‏.‏

سبب تأليف الكتاب

لقد كانت رؤية هذا الخطر الماحق على أمة الإسلام هو السبب الذي حداني إلى أن أؤلف هذا الكتاب، كاشفًا القناع عن الحركة الصوفية قديمًا وحديثًا، مبصرًا المسلمين بأبعادها، مبينًا مخاطرها وأهدافها‏.‏

منهج الكتاب وتقسيماته

وقد صدر أصل هذه الرسالة سنة 1975م وقد شملت الجانب العقائدي فقط من التصوف وانشغلت عن إتمام الكتاب بمشاغل أخرى ثم يسر الله سبحانه وتعالى أن يتم الكتاب بالصورة التي كنت أطمع فيها حيث قسمت الكتاب إلى أبواب ستة جعلت الباب الأول لبيان الخطوط العريضة لعقيدة الإسلام في الكتاب والسنة، وأنه لا عقيدة إلا من القرآن والسنة، ولا شريعة كذلك إلا منهما وأن كل ما خالفهما فهو باطل‏.‏ وذلك حتى تتضح هذه الحقيقة التي هي أصل الدين وأساسه والتي عمل الصوفية كل همهم لنقضها وهدمها، فالتصوف يقوم أول ما يقوم على هدم هذين الأصلين توحيد المعتقد، وتوحيد العمل، فعند الصوفية كل ما اعتقده الناس جميعًا مؤمنين وكفارًا وزنادقة وفلاسفة وعلى أي ملة ومذهب فهو حق، وكل عمل وشريعة فهي حق وأما الإسلام فإنه يقوم أول ما يقوم على أنه لا هدي إلا هدي الإسلام ولا عقيدة حق إلا عقيدة الكتاب والسنة ولا شريعة واجبة الإتباع إلا شريعة الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه لا صراط يوصل إلى الله إلا صراطه‏.‏ وأما المتصوفة فكل الطرق نافعة وصالحة وكل الشرائع مهما كانت فعينها واحدة‏.‏

وخصصت الباب الثاني لمجمل تاريخ التصوف‏:‏ كيف بدأ التصوف، وكيف انتشر وما هي المراحل التي مر بها إلى يومنا هذا والخطوط العريضة للفكر الصوفي في العقائد والشرائع‏.‏

وأما الباب الثالث فهو أوسع الأبواب، وقد شمل ثلاثة عشر فصلًا كلها في تفصيل المعتقد الصوفي كيف بدأ وكيف تطور إلى أن وصل إلى غاياته ونهاياته في القول بوحدة الوجود، والمناداة بوحدة العقائد جميعًا، والأديان جميعًا وجعل كل المتناقضات حقيقة واحدة ‏(‏لله في زعمهم‏)‏ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا‏.‏ ثم عرضنا لعقيدة المتصوفة النهائية فشرحناها بحمد الله فصلًا فصلًا بدأنا بما سموه بالحقيقة المحمدية ويعنون بذلك أن الرسول هو أول موجود في الكون وهو المستوي على عرش الله فوق السماوات السبع، وأنه هو الذي خلق هذا العالم من نوره وهو الذي أرسل الرسل وأنزل الشرائع وأن كل العوالم السفلية والعلوية من فعله وصنعته وتدبيره وأنه بذلك المظهر الحسي لله في زعمهم‏.‏ الله الذي لا يعدو كونه عندهم هو مجموع هذا العالم‏!‏‏!‏

شرحنا عقيدتهم هذه بالنصوص من كتبهم، ورددنا عليهم، ثم بينا معتقدهم في الخضر ـ عليه السلام ـ والذي جعلوا له صورة وحقيقة غير ما جاء في الكتاب والسنة‏.‏ ثم بينا عقيدتهم في علم الغيب وما سموه بالكشف، ثم قولهم في معراج الروح إلى السماوات ونقلنا نقولًا مستفيضة من خرافاتهم وترهاتهم ثم بينا كذلك أقوالهم وعقائدهم في الولاية الصوفية وشرحنا كيف خلعوا كل صفات الربوبية على أوليائهم المزعومين‏.‏ وبينا مرارًا الولاية عندهم وتقسيماتهم لها، ثم خصصنا فصلًا لمعتقدهم فيما سموه بختم الولاية ومن قال بذلك منهم قديمًا وحديثًا ثم في عقيدتهم الخرافية في الديوان الذي يحكم العالم من جبل حراء بمكة‏!‏‏!‏‏.‏

وأما الباب الرابع‏:‏ فقد خصصناه للشعائر الصوفية فعرضنا لشعائرهم في الذكر وكيف يتلقون أذكارهم في زعمهم من الرسول يقظة لا منامًا ومن الله ـفي زعمهمـ مكتوبة‏!‏‏!‏ وكيف يتلقون من القبور‏.‏ وبينا أيضًا ما زعموه من فضائل لأذكارهم المكذوبة‏.‏ ثم بينا منهجهم وطريقتهم فيما سموه بالشطح‏.‏ وشرحنا منهجهم في التربية الصوفية وكيف يغسلون الأمخاخ ويحولون العقلاء إلى مجانين ومجاذيب ودراويش سائمة يسهل قيادتهم وتوجيههم‏.‏ وبينا في الفصل الرابع من هذا الباب الطرق الصوفية وشرحنا بالتفصيل طريقة حديثة مشهورة هي الطريقة التجانية لما لهذه الطريقة من شهرة وانتشار‏.‏ وفي الفصل الخامس نقلنا بالنص مناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية لأتباع الطريقة الرفاعية في وقته‏.‏

وأما الباب الخامس‏:‏ فقد شرحنا فيه الصلة بين التصوف والتشيع وأنهما كانا دائمًا وجهين لعملة واحدة‏.‏ عملًا لأهداف واحدة وأخذ كل منهما عن الآخر‏.‏

وأما الباب السادس‏:‏ والأخير فقد بينا فيه موقف طائفة من علماء المسلمين قديمًا وحديثًا من الفكر الصوفي بدءًا بالإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ الذي كان له السبق الأول في الكشف عن هذه الفرق الباطنية، ثم الإمام أحمد الذي فضح مسلكهم وحارب أوائلهم حتى اختفوا إلى أن ماتوا‏.‏ وختمنا هذا الباب بشهادة لرجلين متأخرين كانا من رجال التصوف البارزين فهداهما الله إلى الإسلام الصحيح وكتب كل منهما في فضح التصوف وهما الشيخ الدكتور تقي الدين الهلالي والشيخ الراحل عبدالرحمن الوكيل‏.‏

هذا وإني لأسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وأن يكون هذا الكتاب النور الهادي للأمة لكشف غمة التصوف حتى تنزاح إلى غير رجعة عن وجه العالم الإسلامي‏.‏

وقد حاولت جهدي أن أسهل العبارة وأشرح الغامض وأختصر في الرد وأبسط وأسترسل في النقل من كتب القوم وذلك لعلمي أن ظهور عقائد هؤلاء الزنادقة كاف في إبطالها وذلك أنها عقائد ينفر منها كل قلب سليم وكل فطرة لم تتنجس‏.‏ وإنه ليكفي فقط أن نكشف الهالة الزائفة التي أحيطت بالتصوف لتظهر الحقيقة العارية البغيضة المشينة والتي إذا علمها أي مسلم لا بد أن ينكرها‏.‏

مميزات هذه الرسالة عن غيرها

وأحمد الله أن هذا الكتاب قد تميز عن كتب كثيرة كتبت في بيان حقيقة الصوفية أنه كان موضوعيًا مفصلًا وهو أول كتاب فصل بين العقيدة الصوفية والشريعة الصوفية وشرح كل باب من أبواب المعتقد الصوفي على حدة وكل شريعة لهم على حدة‏.‏ وبذلك تكتمل الصورة عند القارئ ويفهم مغاليق التصوف ويتعرف على دروبه وسراديبه الخفية‏.‏

وفي الختام أسأل الله ثواب هذا العمل من عنده إنه هو السميع العليم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الأمين وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين‏.‏

عبدالرحمن عبدالخالق، الكويت في يوم الاثنين، 9من ذي القعــدة سنة 1404هـ الموافق 6 من أغسطس سنة 1984م‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الأولى

الحمد لله الذي وصف نفسه في كتابه، وعلى ألسنة رسله، فهدانا وعلمنا، وشرح صدور أهل الإيمان إلى توحيده وعبادته وتقديسه، فشهدوا شهادة الحق أن الله إله واحد سبحانه، كما قال ـ عز وجل ـ ‏{‏شهدَ اللهُ أنَّه لا إلهَ إلا هوَ والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسطِ لا إلهَ إلا هوَ العزيزُ الحكيمُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏18‏]‏‏.‏

أحمده سبحانه، وأستعينه وأستغفره، وأسأله أن يجعلني أحد أولئك الذين شهدوا له بالوحدانية، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله، محمد الداعي إلى سبيل ربه على بصيرة، الذي وصف ربه بما أوحي إليه، فأقام، للناس دينهم الحق، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه القويم إلى يوم الدين‏.‏

وبعد‏:‏

فالحركة الصوفية حركة قديمة، نشأت في منتصف القرن الثاني الهجري، وبلغت قمتها العقائدية في أواخر القرن الثالث، أي بعد مرور مئة وخمسين سنة تقريبًا على نشأتها‏.‏ وأصبحت عقيدة عامة، ودينًا عامًا لعموم المسلمين إلا قليلًا في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر، وكانت هذه القرون قرون ظلام وجهل، أفاق العالم الإسلامي بعدها على الغزو الأوربي لأراضيه‏.‏ وكان العالم الإسلامي في ذلك الوقت في حالة بلغت منتهى السوء، فإن كثيرًا من علماء المسلمين لم يجدوا ما يجابهون به الفاتحين من الفرنسيين إلا أن يقرؤوا كتاب البخاري‏!‏‏!‏ وكان ذلك في القاهرة وفي الأزهر ثم اصطحاب نابليون وإلباسه جبة المشيخة، وإدخاله في حلقة من حلقات الذكر‏!‏‏!‏‏.‏

وأما في المغرب فإن أتباع الشيخ أحمد التجاني كان لهم شرف خدمة الفرنسيين في ترسيخ أقدامهم في شمال أفريقيا وغربها، وأما في السودان فإن السيد الميرغني والطريقة الختمية قد وطأت الناس لدخول الإنجليز، والقضاء على الثورة المهدية‏.‏

وهذه الحركة الصوفية ما زالت تعيش إلى يومنا هذا، بل هي في حالة بعث جديد تقوم عليه اليوم مراكز تعليمية كبيرة في بلاد الغرب وفي بلادنا الإسلامية، وهناك حركة نشطة لبعث التراث الصوفي، ليكون دعامة لبعث إسلامي في زعم القائمين على نشر هذا الفكر‏.‏

ولقد كانت صلتي بدراسة التصوف قديمة، وذلك للموقف المتناقض الذي وقفه كثير من الباحثين والعلماء من هذه الحركة الصوفية، ومن فكرها الذي نشأ عنها، وكذلك للاختلاف الشديد حول رجالها، فكم من رجل من رجال التصوف اتهمه أناس بالزندقة والإلحاد، ووصفه آخرون بالقديسية والقطبية والغوثية‏.‏ ولقد كان هذا التناقض والاختلاف في موقف علماء الإسلام إزاء هذه الحركة، وهذا الفكر باعثًا لي على النظر والتفكير والبحث‏.‏

فمكثت مدة طويلة أجمع القول إلى القول، وأقف عند العبارة الغامضة طويلًا، وأفسر كلام القوم بعضه ببعض‏.‏ وأظن أنني الآن بحول الله قد عرفت مغاليق هذا الفكر، ومساربه الخفية، ولم يكن هذا الأمر سهلًا قط، بل يعلم الله أنني تحملت فيه كثيرًا من الآلام النفسية المرهقة، وذلك أن أساطين القوم قد مارسوا تشويهًا لكتاب الله ـ عز وجل ـ وقلبًا لمفاهيم السنة الصحيحة، لا يحيط به إلا الله، ولا يطيق الوقوف عليه مسلم جاد‏!‏‏!‏

ولقد تجشمت مشقة ذلك لعلمي بعد الدراسة والجهد أن هذا الفكر هو أخطر ما يجابه المسلمين في الوقت الحاضر من مشكلات، فمشكلة الفكر الصوفي مشكلة عقائدية، والمشاكل العقائدية هي أخطر ما تقابله الأمة، فالأمة يتحول عملها كله بتحول عقيدتها، فالتتر عندما أسلموا حقيقة، تركوا حرب المسلمين، والمسلمون عندما تركوا الإسلام، وعقيدة الجهاد رضوا بالمستعمرين، وتخلقوا بأخلاقهم، وتثقفوا بثقافتهم‏.‏

وهذا الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ هو بحث في العقيدة الصوفية‏:‏ ما هي‏؟‏ وما الغاية التي تسعى المتصوفة إلى غرسها‏؟‏ وما الفروق بين هذه العقيدة وعقيدة أهل السنة‏؟‏ وهذه العقيدة أنقلها لك بنصوصها من الكتب والمراجع الصوفية، التي يعتبرها المتصوفة من أنقى كتبهم وأشهرها، كاللمع للطوسي، والتعرف على مذهب أهل التصوف للكلاباذي، وطبقات الصوفية للسلمي، وغير ذلك من الكتب التي كتبت بأقلام رجال التصوف بأنفسهم‏.‏

وستعلم من هذه الدراسة أن التصوف عقيدة فلسفية قديمة، نشأت قبل الإسلام في الفلسفة الاستشراقية المنسوبة إلى ‏(‏أفلوطين‏)‏‏.‏ والفلسفة الهندية القديمة، والتي ما زالت عقيدة الهند إلى اليوم، وهي القول بوحدة الوجود، وهذه العقيدة هي عقيدة كثير من شعراء الفرس قبل الإسلام، وبعد الإسلام كجلال الدين الرومي‏.‏

وهذا يعني أن التصوف غير الزهد المعروف في العقيدة الإسلامية، فالزهد شيء، والتصوف شيء آخر، يختلف عنه كل الاختلاف، بل هناك فرق بين الزهد في عقيدة الكتاب والسنة، والزهد في العقيدة الصوفية‏.‏ فالتصوف فلسفة كاملة، وعقيدة غايتها فتح القلب على علوم غيبية، لا تتلقى عن الرسل، بل تتلقى بطريق ‏(‏الكشف‏)‏ عن الله رأسًا، أو عن الرسول ‏(‏حسب زعمهم‏)‏‏.‏ ثم التحقق بعد ذلك أن لا موجود في الكون إلا الله، وبذلك يصبح العبد هو الرب، والرب هو العبد، بل الكل شيء واحد في الحقيقة، متفرّق في الصور فقط‏!‏‏!‏ وطريق الوصول إلى هذا العلم الغيبي ‏(‏الكشف هو المجاهدة بصور كثيرة‏)‏‏.‏ وتختلف هذه الصور باختلاف الزمان والمكان، والأشخاص والديانات‏!‏‏!‏ ويجمعها أمور واحدة هي تعذيب النفس، وترديد أذكار معينة، والعزلة وترك الطهارات‏.‏

ولا يعني هذا أن كل رجل نسب إلى التصوف كان يعتقد هذه العقيدة، بل من وصل الغاية منهم وصل إلى هذا، ومن لم يعرف التصوف لم يصل إلى هذه الغاية، ووقف عند مرحلة من مراحل الطريق الصوفي، الذي ينتهي بتلك النهاية‏.‏ فالطريق الصوفي مراحل، وكلام كل إنسان فيه يدل على المرحلة التي انتهى إليها‏.‏

والجوانب التي يجب أن يتعرض لها بحث كامل عن التصوف جوانب كثيرة، لا يسعها هذا البحث، ولذلك فقد اقتصرت في البحث الذي بين يدي القارئ الآن على بحث الجانب العقائدي فقط في الفكر الصوفي، جوابًا عن سؤال هام‏:‏ ما هو التصوف‏؟‏ وما العقيدة التي ينتهي إليها‏؟‏ وما موقف هذا الفكر من قضية الكتاب والسنة‏؟‏ وأسأل الله أن يوفقني قريبًا إلى إخراج هذا البحث كاملًا، معالجًا جميع القضايا التي أثارها هذا الفكر في العبادات والسلوك وتزكية النفس، ثم الآثار السياسية والاجتماعية لهذا الفكر، مع تعريف برجالاته، منذ ظهوره إلى يومنا هذا، سائلًا الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يجعل في هذه الرسالة الميسرة هداية ونورًا لأبناء أمتي الإسلامية، الذين يعزهم الطريق المستقيم إلى رب العالمين سبحانه وتعالى، في وقت تختلط فيه السبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه، وأسأله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم‏.‏

عبدالرحمن عبدالخالق يوسف

الكويت في غرة جمادي الآخرة لـ 1394

21 يونيــــــو 1974

 

الباب الأول‏:‏ الكتاب والسنة عقيدة ومنهجا

 

الكتاب والسنة عقيدة

1ـ بُعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عصر قد انطمست فيه معالم الإيمان بالحق ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏

أـ فالعرب يعتقدون في وجود الله، وأنه خالق الكون، ومنزل المطر، ولكن هذا الإله في نظرهم لا يستطيع إحياءهم بعد الموت، وليست له غاية من خلق الناس غير هذه الدنيا التي خلقهم فيها، فليس هناك قيامة ولا حساب، ثم هو إله كملوك الأرض يتوسل إليه من أجل الرزق والمطر، والنصر على الأعداء بكل حبيب عنده كالملائكة والصالحين‏.‏

ب ـ وأما النصارى فقد درس دينهم الحق، ولم يبق عليه إلا أفراد قلائل، وأما الكثرة الغالبة فقد اعتقدت أن عيسى هو الله أو ابن الله ـ تعالى ربنا عما يقولون ـ وجعلوا علماءهم ورهبانهم أربابًا، ينفذون أقوالهم في كل شيء، ولو خالف ذلك نصوص الكتاب عندهم، ورفعوا الصالحين منهم إلى منزلة التقديس والتأليه‏.‏

ج ـ وأما اليهود فقد غالوا في تشبيه الله بخلقه، ونسبوا إليه كل القبائح التي تنسب إلى البشر من الكذب والبخل، والغفلة، وعدم العلم بالمستقبل‏.‏

د ـ وفي بلاد فارس والهند عاشت فلسفات كثيرة، كل فلسفة تصور معبودها بصورة تروق في عقل قائلها‏:‏

ـ ففلسفة نادت بإلهين للعالم‏:‏ إله للنور وآخر للظلمة، وزعمت صراعًا بينهما، ودعت الناس إلى مساعدة إله الخير والنور، بإشعال النيران لينتصر الحق على الباطل‏.‏

ـ وفلسفة نادت بخالق للكون، يجب على الإنسان أن يجاهد نفسه بصنوف من المجاهدات حتى يفنى فيه ويلتحق به، ولا تنسخ روحه مرة ثانية بعد الموت إلى هذا العالم‏.‏

ـ وفلسفة نادت بالوجود الكلي لذات واحدة، تعددت وجوداتها بتعدد صفاتها، ولهج الشعراء والكتاب من الفرس بحب هذه الذات التي تتراءى لهم في كل شيء، وتظهر لهم في كل موجود‏.‏

هـ ـ وفي اليونان ظهرت فلسفات كثيرة نادى معظمها بخالق للكون سموه واجبًا للوجود أو علة للعلل، عنه نشأ العالم وصدر، ولكن هذه الفلسفة وقفت حائرة عاجزة أمام الغاية والهدف الذي من أجله خلق هذا الخالق الكون، والنهاية التي يسير إليها الناس‏.‏

2ـ وكل هذه الفلسفات السابقة كانت محاولات بشرية لمعرفة الغيب، وما وراء هذا العالم المشاهد، وبديهي أن تنتهي هذه المحاولات البشرية بالإخفاق الذريع، إذ لا سبيل للبشر إلى معرفة الغيب إلا الظن والحدس والتخمين، أو الجن والشياطين‏.‏

3ـ بعث الله رسوله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليرشد كل أولئك الحيارى الضالين إلى ربهم وخالقهم سبحانه وتعالى، وليعلمهم الحكمة التي من أجلها خلقهم، والغاية التي إليها يسيرون، والمنهج الذي يحبه الله لعباده ويرضاه لهم‏.‏

4ـ وقدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للناس الدليل الكامل على أنه رسول من الله ـ تبارك وتعالىـ يأتيه الوحي من السماء، فقال لهم‏:‏ هذا كلام الله، أقرؤه عليكم، وإن لم تصدقوني فأتوا بسورة واحدة من مثله‏.‏

5ـ وكان على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يواجه كل هذا الركام من الأفكار والعقائد والمذاهب والفلسفات، وأن يقيم الحجة والبرهان على فسادها جميعًا، وصحة ما يدعو هو الناس إليه، وكانت المعركة عقائدية‏.‏

6ـ وتركزت هذه الحرب حول أصلين اثنين يتفرع عنهما فروع كثيرة‏:‏

أـ فالأصل الأول هو توحيد الله وحده، وهذا يعني أنه الإله الخالق وحده، المعبود وحده، الذي لا يشاركه في صفاته وأفعاله أحد سبحانه وتعالى، والذي يتصف بكل صفات الكمال والجمال والجلال، وينتفي عنه أضداد ذلك‏.‏

بـ والأصل الثاني هو توحيد الطريق إليه، فلا يحكم في شؤون الناس غيره، ولا يتقرب إليه بما شرع هو سبحانه وتعالى، وكان هذا هو معنى ‏"‏لا إله إلا الله، محمد رسول الله‏"‏ فلا إله إلا الله‏:‏ الأصل الأول، ومحمد رسول الله‏:‏ الأصل الثاني‏.‏

7ـ ولقد نُوزع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذين الأصلين‏:‏

أـ فأما المشركون من العرب فقالوا‏:‏ ‏{‏أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إنَّ هذا لشيءٌ عُجابٌ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏ وقالوا عن آلهتهم‏:‏ ‏{‏ما نعبُدهم إلاّ ليقربونا إلى الله زُلفى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏هؤلاءِ شُفعاؤُنا عندَ اللهِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏18‏]‏‏.‏

وكان رد الله ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏ قل‏:‏ ‏{‏لَو كانَ فيهِما آلهَةٌ إلا اللهُ لفسدَتا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏22‏]‏، ‏{‏قُل للهِ الشَّفاعَة جميعًا‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏44‏]‏‏.‏

وعن الأصل الثاني‏:‏ قال تعالى هادمًا تشريعاتهم الباطلة في الحلال والحرام والتقرب‏:‏ ‏{‏أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏21‏]‏‏.‏

ب و جـ وأما اليهود والنصارى فزعمت كل طائفة أن طريقها هو الصواب، وأن معبودها هو الحق، وأن الجنة خالصة لهم من دون الناس، فكان رد الله ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏ ‏{‏قل إن هدى الله هو الهدى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏120‏]‏، ‏{‏قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏31‏]‏‏.‏

والقرآن كله بيان لجهاد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع هذه الطوائف الثلاث في شأن هذين الأصلين‏.‏

8ـ وآمن بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجال أخلصوا دينهم لله، فأحبوه وآثروه على كل شيء، وأحبوا رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وافتدوه بأرواحهم وأنفسهم، وبذلوا الجهد في متابعته وطاعته، وفي تنزيه الله وتقديسه وعبادته، وتحققوا بهذين الأصلين، وقاموا بها خير قيام حتى أثنى عليهم الحق سبحانه وتعالى في آيات كثيرة من كتابه‏.‏ من ذلك قوله جل وعلا‏:‏

{‏محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود‏}‏‏.‏‏.‏الآية ‏[‏الفتح‏:‏29‏]‏، فرضي عنهم سبحانه ورضوا عنه، وعرفوه حق معرفته، وقاموا بدينه خير قيام‏.‏

وأثنى عليهم رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ ‏(‏خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم‏)‏ ‏(‏رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود، وغيرهم عن غيره‏)‏، وشهد لأفراد منهم بالجنة والفضل، وكان من هؤلاء أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ الذي قال عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏[‏وزنت بالأمة فرجحت، ووزن أبو بكر بالأمة ـ لست فيها ـ فرجح، ووزن عمر بالأمة ـ لست فيها وأبو بكر ـ فرجح‏]‏ ‏(‏رواه أحمد ‏(‏2/76‏)‏ بنحوه وإسناد ضعيف، فيه عبيد الله بن مروان أورده ابن أبي حاتم في ‏(‏الجرح والتعديل ـ5/334‏)‏ ولم يحك فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وفيه أيضًا أبو عائشة أورده صاحب ‏(‏الجرح والتعديلـ9/417‏)‏ ولم يحك فيه كذلك جرحًا ولا تعديلًا، وعلى هذا فهما مجهولان وباقي رجاله ثقات‏.‏ وروى أحمد ‏(‏5/44 و 50‏)‏ وأبو داود ‏(‏4634‏)‏ والترمذي ‏(‏2389ـتحفة‏)‏ وصححه، كلهم عن أبي بكرة أن أحد الصحابة رأى في منامه أن ميزانًا دلي من السماء، فوزن به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر، فرجح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم وزن به أبو بكر وعمر، فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع الميزان‏.‏ وقد قواه أستاذنا الألباني في ‏(‏تخريج المشكاة ـ3/233‏)‏ بطريقيه‏)‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏[‏لو كان نبي بعدي لكان عمر‏]‏ ‏(‏رواه بنحوه أحمد ‏(‏4/154‏)‏ والترمذي ‏(‏2/293‏)‏ وحسنه والحاكم ‏(‏3/85‏)‏ وصححه وغيرهم، كلهم عن عقبة بن عامر مرفوعًا، وحسنه أستاذنا الألباني في ‏(‏السلسلة الصحيحةـ327‏)‏ وفي ‏(‏صحيح الجامع ـ5160‏)‏، وقال لبلال‏:‏ ‏[‏إني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة‏]‏ ‏(‏رواه البخاري ‏(‏3/376‏)‏ ـ من الفتح‏)‏ وأحمد ‏(‏2/333 و439‏)‏ عن أبي هريرة، ولفظ البخاري‏:‏ قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبلال عند صلاة الفجر‏:‏ ‏[‏يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة‏]‏ قال‏:‏ ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي‏.‏ ودف النعل هو صوت حركتها الخفيف وسيرها اللين‏)‏، ونحو ذلك كثير جدًا‏.‏

9ـ ومع ذلك فقد حرص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ طيلة حياته على بقاء أصلي التوحيد ‏"‏لا إله إلا الله، محمد رسول الله‏"‏ نقيين صافيين، فما كان يسمح بتاتًا يخدش هذين الأصلين، ولو من أحب الناس لديه وآثرهم عنده ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

ومن الأدلة على ذلك‏:‏

أـ أنه رأى يومًا بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة من التوراة، وكان عمر قد أعجبه ما فيها، فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غضبا ًشديدًا، وقال لعمر‏:‏ ‏[‏أهذا وأنا بين أظهركم، لقد جئتكم بها بيضاء نقية‏.‏‏.‏ والله لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني‏]‏ ‏(‏رواه بنحوه الإمام أحمد في مسنده ‏(‏3/387‏)‏ والبيهقي في شعب الإيمان، والدارمي‏(‏1/115ـ116‏)‏ بأتم منه، قال أستاذنا الألباني في ‏(‏تخريج المشكاة ـ1/63‏)‏‏:‏ ‏"‏وفيه مجالد بن سعيد، وفيه ضعف، ولكن الحديث حسن عندي لأن له طرقًا كثيرة عند اللالكائي والهروي وغيرهما، وقد خرجت بعضها في ‏(‏الإرواء ـ 1589‏)‏، وفي هذا الحديث من الفقه‏:‏

أولا‏:‏ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعجب أن يبدأ الاهتداء بغير الكتاب والسنة وهو ما زال حيًا‏.‏ ومن مقتضى الإيمان بالكتاب والسنة أن يعتقد أن الهدي فيهما وحدهما‏.‏

وثانيا‏:‏ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جاء بالدين نقيًا خالصًا، لم تشبه شائبة من تغيير أو تبديل أو تحريف، والصحابة يتلقونه غضًا طريًا خالصًا، فكيف ينصرفون عنه ويهتدون بما شابه التحريف والتبديل والزيادة والنقص‏.‏

وثالثًا‏:‏ أن موسى ـ عليه السلام ـ نفسه الذي نزلت عليه التوراة لو أنه حي موجود لكان اللازم في حقه هو متابعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وترك شريعته التي بلغها للناس‏.‏

وهذا الحديث أصل في بيان منهج الكتاب والسنة، وأنه لا يجوز لأحد أن يهتدي بعلم يقرب إلى الله، ويصلح النفس غير الذي بعث به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى لو كان أصله من شريعة منزلة علي أحد الأنبياء السابقين‏.‏

ب ـ والدليل الثاني أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمع خطيبًا يخطب بين يديه فكان مما قاله‏:‏ من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏بئس خطيب القوم أنت، قل‏:‏ ومن يعص الله ورسوله فقد غوى‏)‏ ‏(‏رواه مسلم 6/159ـ بشرح النووي‏)‏ وأحمد ‏(‏4/256 و379‏)‏‏.‏

فهذا الخطيب قد قاطعه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقبَّح قوله أمام الناس، والسبب أنه جمع بين الله ورسوله في ضمير واحد ‏(‏ومن يعصهما‏)‏ فأمره الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يعيد ذكر الإسم الظاهر لله ولرسوله، حتى لا يُظن ولو من بعيد أن منزلة الرسول كمنزلة الله ـ عز وجل ـ‏.‏ وهذا الحرص من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دليل على وجوب صون جناب توحيد الله ـ تبارك وتعالى ـ صونًا كاملًا، ووجوب التفريق التام بين ما يجب لله ـ عز وجل ـ وما يجب لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

ج ـ والدليل الثالث أن عثمان بن مظعون ـ رضي الله عنه ـ وكان من خيار الصحابة، لما توفي، وحضر عنده الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمع الصحابية الجليلة أم العلاء تقول‏:‏ شهادتي عليك أبا السائب أن الله قد أكرمك‏.‏‏.‏ فرد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلًا‏:‏ ‏(‏وما يدريك أن الله قد أكرمه‏؟‏‏)‏ وكان هذا تنبيهًا عظيمًا من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذه الصحابية بأنها قد حكمت بحكم غيبي، وهذا لا يجوز، لأنه لا يطلع على الغيب إلا الله ـ عز وجل ـ ولكنها ردت قائلة‏:‏ سبحان الله يا رسول الله‏!‏‏!‏ ومن يكرم الله إذا لم يكرمه‏؟‏ أي إذا لم يكن عثمان بن مظعون ـ رضي الله عنه ـ ممن يكرمهم الله ـ تبارك وتعالى ـ فمن بقي منا حتى يكرمه الله ـ تبارك وتعالى ـ‏.‏

وهذا رد في غاية البلاغة والفهم‏.‏ ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رد عليها بما هو أبلغ من ذلك حيث قال لها‏:‏ ‏(‏والله إني لرسول الله لا أدري ما يفعل بي غدًا‏)‏ وكان هذا نهاية الأمر وحسمه، فالرسول بنفسه وهو من هو صلوات الله وسلامه عليه يجب أن يظل خائفًا مترقبًا ‏{‏يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 9‏]‏‏.‏ وهنا وصلت أم العلاء إلى الحقيقة الشرعية العظيمة فقالت‏:‏ والله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا رواه البخاري ‏(‏3/358 و6/223 و224 و8/266 و6/49 و69ـ من الفتح‏)‏ وأحمد ‏(‏6/436‏)‏ عن أم العلاء الأنصارية بنحوه‏)‏‏.‏

وهذا الأصل مقرر في الشريعة في آيات وأحاديث كثيرة، منها قوله ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلًا انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا‏}‏ ‏[‏النساء 49 ‏:‏50‏]‏ ومنها قوله‏:‏ ‏{‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏123‏]‏، وكان هذا ردًا على اليهود الذين قالوا‏:‏ نحن أهل الجنة، ونحن شعب الله المختار، وردًا على النصارى الذين قالوا‏:‏ بل نحن أهل الجنة، لأننا أتباع ابن الله المخلص للبشر من خطيئتهم، ورد أيضًا على المسلمين الذين قالوا‏:‏ بل نحن أهل الجنة لأننا أتباع رسوله محمد خاتم الرسل والموحدين، فأخبر تعالى أن الجنة ليست بالأماني، وإنما بالعمل الصالح، وأن من عمل سوءًا يجز به، ولا تنفعه نسبته وروي في الحديث‏:‏ ‏(‏من قال أنا في الجنة فهو النار‏)‏ ‏(‏فيه إشارة إلى ضعفه، وقد أورده الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص423 ضمن الحديث على حديث‏:‏ ‏[‏من قال‏:‏ أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال‏:‏ أنا عالم فهو جاهل‏]‏ وعزاه إلى ‏(‏المعجم الصغير للطبراني عن يحيى بن أبي كثير‏)‏ وقال‏:‏ وسنده ضعيف، وهو عند الديلمي في مسنده عن جابر بسند ضعيف جدًا، ورواه الحارث بن أبي أسامة من جهة قتادة عن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، وهو منقطع‏)‏‏.‏

د ـ والدليل الرابع أن رجلًا جاء إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له‏:‏ ما شاء الله وشئت فقال له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏أجعلتني لله ندًا‏؟‏ قل ما شاء الله وحده‏)‏ ‏(‏رواه أحمد ‏(‏1/214 و224 و283 و347‏)‏ والبخاري في ‏(‏الأدب المفرد ـ783‏)‏ وغيرهما، وأورده أستاذنا الألباني في ‏(‏السلسلة الصحيحة ـ 138‏)‏ وعزاه إلى مخرجيه وحسنه‏)‏، فجعل ـ صلى الله عليه وسلم ـ المشيئة لله وحده، حتى يُعلّم المؤمنين أن لا مشيئة لأحد مع مشيئة الله ـ تبارك وتعالى ـ‏.‏

هـ ـ وأما الدليل الخامس فهو أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم مروا في أثناء خروجهم إلى هوازن بعد فتح مكة على شجرة، كان المشركون يعلقون عليها سيوفهم، ظانين أنه من فعل ذلك حالفه النصر في معاركه مع العدو، فقالوا‏:‏ يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط‏.‏ أي شجرة ينوطون بها أسلحتهم‏.‏ فقال لهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى‏:‏ ‏(‏اجعل لنا إلهًا كما لهم ءَالِهَةٌ‏.‏‏.‏‏)‏ ‏[‏رواه الإمام أحمد في مسنده‏]‏ ‏(‏5/218‏)‏ والترمذي في ‏(‏سننه ـ6/407 و408ـ تحفة‏)‏ وقال‏:‏ حديث حسن صحيح، قلت‏:‏ وإسناده صحيح كما قال، ورجاله رجال الستة غير سنان بن أبي سنان فلم يرو له أبو داود وابن ماجة‏)‏، فبين ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن هذا من عمل المشركين، وأن مشابهتهم في هذا شرك بالله ـ تبارك وتعالى ـ إذ طلب البركة والنصر من غير الله ـ عز وجل ـ شرك به تعالى‏.‏

10ـ والأدلة السابقة كلها لبيان أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان ليسمح بتاتًا بخدش الأصل الأصيل في الإسلام، وهو توحيد الله ـ عز وجل ـ والقول عليه بلا علم‏.‏ وأخذ الهداية من غيره سبحانه وتعالى، وغير رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

11ـ وقد سدَّ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه باب العرافة والكهانة وادعاء علم الغيب، وأخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن مدعي ذلك كافر، وأن من صدَّق عرافًا أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد سئل ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن العرافين فقال‏:‏ ‏[‏ليسوا بشيء‏]‏ هكذا بنفي قيمتهم وتحقيرهم، فقال له أصحابه رضوان الله عليهم‏:‏ ولكنهم يخبروننا أحيانًا بالأمر، فيكون كما قالوا، فأخبرهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الشياطين تركب بعضها بعضًا وتصل إلى العنان، وتسمع الملائكة تتكلم بالأمر من أمر الله تعالى، فيتعلمونه منهم، فيرسل الله عليهم الشهب، فيلحقهم الشهاب أحيانًا فيحرقهم، وأحيانًا يلقون الكلمة إلى من هو أسفل منهم قبل الشهاب، فيكذب الشيطان مع هذه الكلمة مئة كذبة، فلذلك يصدق أولياء الشياطين من الإنس مرة، ولكنهم يكذبون كثيرًا ‏(‏رواه مسلم في صحيحه 14/225ـ نووي‏)‏ ولفظه‏:‏ قالت عائشة‏:‏ سأل أناس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الكهان، فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏[‏ليسوا بشيء‏]‏‏.‏ قالوا ‏:‏ يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانًا الشيء يكون حقًا‏؟‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة‏)‏، وأما صعود الشياطين إلى السماء لاستراق السمع، وقذفهم بالشهب فقد ورد في حديث آخر رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، منها كتاب التفسير ‏(‏9/452ـ فتح‏)‏ عن أبي هريرة، وعزاه ابن كثير إلى أبي داود والترمذي وابن ماجة أيضًا‏.‏ كما ورد مثله في حديث رواه مسلم في صحيحه ‏(‏7/36 و37ـ نووي‏)‏ وأحمد وغيرهما عن ابن عباس عن رجل من الأنصار‏)‏‏.‏

12ـ ولما شك الصحابة في ‏(‏ابن صياد اليهودي‏)‏ الذي كان يسكن المدينة، وظنوه الدجال الذي حدث عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخذ الرسول معه جماعة وزاره في منزله قال له الرسول مختبرًا‏:‏ ‏(‏لقد خبأت لك خبئًا‏)‏ ‏.‏‏.‏

وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أضمر في نفسه ‏(‏سورة الدخان‏)‏ فسأله الرسول عما في نفسه، فقال عدو الله ‏:‏‏(‏هو الدخ‏)‏ ولم يستطع أن يكمل الكلمة، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏[‏اخسأ فلن تعدو قدرك‏]‏‏.‏ أي لن تتعدى كونك كاهنًا تتصل بالجن‏.‏ ولذلك قال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏كيف ترى‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ يأتيني أحيانًا صادق وكاذب‏.‏ أي تأتيه أخبار من الشيطان صادقة أحيانًا، وكاذبة أخرى، فقال رسول الله‏:‏ ‏[‏لقد لُبِّس عليه‏]‏ ‏(‏رواه بنحوه مطولًا البخاري ‏(‏3/462 و6/512 و13/180ـ من الفتح‏)‏ ومسلم ‏(‏17/46 و58ـ بشرح النووي‏)‏ وغيرهما‏)‏‏.‏

وفي هذا الحديث دليل على أن الشيطان من الممكن أن يطلع على ما في نفس المؤمن، ويخبر وليه من الإنس، وأننا مأمورون ألا نصدق من الغيب إلا ما أتانا من طريق الله، ومن طريق رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقط‏.‏

وكل هذه الأدلة التي ذكرناها، وغيرها لا يحصى، إنما كانت لتثبت الجانب العقائدي الإيماني في دعوة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبيان أن العقيدة والإيمان بالغيب مصدره الله ـ تبارك وتعالى ـ وأنه لا يجوز لمسلم بتاتًا أن يتخذ طريقًا آخر للغيب يتلقى عنه، وأن من فعل ذلك فقد خرج من الإيمان بالله تعالى‏.‏